أحمد زكي صفوت
28
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
وكان المنذر ضغنا عليه ، فلما دخل عليه قال له : يا عام ، لساء مثوى أثويته ربّك وثويّك « 1 » ، حين حاولت إصباء طلّته « 2 » ومخالفته إلى عشيره ، أما واللّه لو كنت كريما لأثويته مكرّما موقرا ، ولجانبته مسلّما ، فقال له : أبيت اللعن « 3 » لقد علمت
--> - القيس ) وذلك أن الحرث بن مندلة ملك الشأم ، وكان من ملوك سليح من ملوك الضجاعم ( سليح كجريح قبيلة باليمن ، والضجاعم كانوا ملوكا بالشام ) وهو الذي ذكره مالك بن جوين الطائي في شعره فقال : هنالك لا أعطى رئيسا مقادة * ولا ملكا حتى يئوب ابن مندله وكان قد أغار على أرض نجد ، وهي أرض حجر بن الحارث هذا ، وذلك على عهد بهرام جور ، وكان بها أهل حجر فوجد القوم خلوفا ، ( الخلوف بالضم : الذين ذهبوا من الحي ، ومن حضر منهم أيضا ) ووجد حجرا قد غزا أهل نجران ، فاستاق ابن مندلة مال حجر ، وأخذ امرأته هند الهنود ( وهي هند بنت ظالم بن وهب بن الحرث بن معاوية ) ووقع بها فأعجبها ، وكان آكل المرار شيخا كبيرا ، وابن مندلة شابا جميلا ، فقالت له : النجاء النجاء ، فإن وراءك طالبا حثيثا ، وجمعا كثيرا ، ورأيا صليبا ، وحزما وكيدا ، فخرج ابن مندلة مغذا إلى الشأم ( أي مسرعا ) فلما رجع حجر وجد ماله قد استيق ، ووجد هندا قد أخذت ، فقال : من أغار عليكم ؟ قالوا ابن مندلة ، قال : مذ كم ؟ قالوا : ثماني ليال ، فقال حجر : لا غزو إلا التعقيب ، فأرسلها مثلا يعنى غزوة الأول والثاني . ثم جد في طلب ابن مندلة ، حتى دفع إلى واد دون منزل ابن مندلة فكمن فيه ، وبعث سدوس ابن شيبان ، فقال له . اذهب متنكرا إلى القوم حتى تعلم لنا علمهم ، فانطلق حتى انتهى إلى ابن مندلة ، ثم رجع إلى حجر فحدثه بحديث امرأته مع ابن مندلة ، فضرب حجر بيده على المرار ( والمرار كغراب : شجرة مرة إذا أكلت منها الإبل تقلصت مشافرها ) فأكل منها من الغضب ، فسمته العرب آكل المرار ، ( وقيل : آكل المرار هو أبوه الحارث ) ، ثم خرج حتى أغار على ابن مندلة فقتله ثم قتل هندا وأنشأ يقول . إن من يأمن النساء بشئ * بعد هند لجاهل مغرور كل أنثى وإن تبينت منها * آية الحب ، حبها خيتعور ( والخيتعور : كل شيء لا يدوم على حالة واحدة ، ويضمحل كالسراب ، وكالذي ينزل من الهواء في شدة الحر كنسج العنكبوت ) . وذكر أبو الفرج الأصبهاني هذه القصة في الأغانى ( 15 : 82 ) ولكنه روى أن الذي أغار على حجر هو زياد بن الهبولة قال : « ثم إن زياد بن الهبولة بن عمرو بن عوف بن ضجعم بن حماطة بن سعد ابن سليح القضاعي أغار عليه وهو ملك في ربيعة بن نزار ، وكان قد غزا بربيعة البحرين فبلغ زيادا غزاته فأقبل حتى أغار في مملكة حجر فأخذ مالا كثيرا وسبى امرأة حجر . . . . إلى آخر القصة » . ( 1 ) ثوى المكان وبه : نزل ، وأثواه : أضافه ، والمثوى : المنزل ، والثويّ : كغنى البيت المهيأ له ، والضيف وهو المراد هنا . ( 2 ) الطلة العجوز ، وصبا الرجل مال إلى الجهل والفتوة وأصبته المرأة والمراد حاولت رد عزه السالف إليه . ( 3 ) أبيت اللعن : تحية جاهلية أي أبيت أن تأتى ما تلعن به .